منذ عدة عقود، يقف الشعب الجزائري عاجزًا أمام احتضار نظامه السياسي، الذي أصبح عقبة يستحيل تجاوزها أمام أي أفق للتقدم والديمقراطية والعدالة. وهذه الملاحظة ليست مجرد رأي؛ بل تسندها أصوات شخصيات رمزية من تاريخنا السياسي، أكّدت بوضوح، بخبرتها وشرعيتها وصفاء بصيرتها، الضرورة الملحّة لتغيير النظام.

المرحوم عبد الحميد مهري، في خطاباته التي رثى فيها الطريق المسدود، كان يقول إن «التغيير الجذري للنظام السياسي يسير جنبًا إلى جنب مع مصلحة الشعب ولمواجهة التحديات المقبلة»؛ وهذا القول يتردد صداه كحقيقة لا مفر منها. وقد صرّح مولود حمروش، الوزير الأول الأسبق، بأن هذا النظام «مناهض للوطن» أو «مناهض للوطنية»، مُندّدًا بذلك بالانفصال بين الحكم والمصالح العليا للأمة. أما المرحوم سيد أحمد غزالي، وهو شخصية كبرى أخرى، فلم يتردد في إجراء مقارنة قوية: نحن «حركي هذا النظام»، في تذكير بالخيانة التاريخية والاغتراب العميق الذي ينتجه هذا الوضع.

كل هؤلاء السياسيين يتفقون على مطلب واحد: تغيير النظام. وهذا الاستنتاج صائب وإجماعي ويحمل أملًا في انتقال إلى حكم ديمقراطي وشامل يحترم حقوق الإنسان ويتوافق مع المبادئ الدستورية.

غير أنّه في مواجهة هذا المطلب المشروع، يرفض أنصار النظام الاستبدادي أي جهد للإصلاح. فهم يفرضون قمعًا عنيفًا وقانونيًا، ويحوّلون التشريع إلى أداة للقمع المنهجي. فالمعتاد أن يحمي القانون ويضمن ويُضفي الشرعية. أما في الجزائر، فمنذ إدراج الأمر رقم 21-08 في 9 يونيو 2021، أصبح القانون يُستخدم لتجريم كل معارضة سلمية. لأن هذا الأمر يعتبر عملًا إرهابيًا أو تخريبيًا «كل عمل يمسّ أمن الدولة»، أو كذلك «كل تحريض بأي وسيلة كانت على الوصول إلى السلطة أو تغيير نظام الحكم بوسائل غير دستورية».

فصياغة كهذه، غامضة ومبهمة، تفتح الطريق أمام قمع تعسفي ضد كل صوت معارض. وهي مع ذلك تتناقض بوضوح مع مبدأ الشرعية المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (PIDCP)، الذي صادقت عليه الجزائر عام 1989، والذي يضمن صراحةً حرية التعبير، وحرية التجمع السلمي، وحق كل شخص في المشاركة في الحياة السياسية، دون تمييز ولا خوف.

وتكمن المشكلة الجوهرية في استخدام عبارة «الوسائل غير الدستورية». فعمليًا، تُستخدم هذه الحجة لتجريم كل نقد أو كل محاولة لإدراج حركة ديمقراطية خارج الإطار الذي تفرضه السلطة. ودستور 2020، في المادتين 154 و171، يضمن أن للمعاهدات المصادق عليها تفوقًا على القانون الوطني، وأن على العدالة أن تطبّق هذه المعاهدات. غير أن النظام، بادّعائه أن كل تغيير غير مسموح به دستوريًا يشكّل عملًا إرهابيًا، ينتهك علنًا هذه التعهدات، ويضع عائقًا لا يمكن تجاوزه أمام أي انتقال ديمقراطي حقيقي.

ولا بدّ إذن من التوضيح، بأقصى وضوح ودقة قانونية، أنه لا شيء في دستور 2020، ولا في قانون العقوبات، ولا في PIDCP، يحظر أو يحدّ قانونيًا من حق تغيير النظام السياسي بوسائل سلمية وديمقراطية ودستورية. بل على العكس، فإن هذه النصوص القانونية والمعيارية تدعم، من حيث المبدأ، مشروعية كل مسعى يهدف إلى تطوير الحكم في ظل احترام الحقوق الأساسية.

ومن ثمّ، لا بدّ في هذا السياق من التذكير بأن السبيل الوحيد المشروع والمتوافق مع القانون الدولي والدستور ومبدأ السيادة الشعبية هو سبيل التغيير السلمي والمنظّم والديمقراطي والمحترم لدولة القانون. وكل محاولة قمع، وكل تفسير تقييدي أو تعسفي للقوانين، يتناقض مع هذه المبادئ، يشكّل انتهاكًا خطيرًا للتعهدات الدولية للجزائر، وعائقًا أمام كل تطور مرغوب فيه للأمة. وأخيرًا، فالشعب الجزائري هو وحده صاحب السيادة والشرعية.